الغزالي

300

إحياء علوم الدين

أعوذ منك بذلك الحصن الحصين وهو ثابت على مكانه فان ذلك لا ينفعه ، بل لا يعيده إلا تبديل المكان ، فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن فلا يغنيه مجرد القول . فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عز وجل عن شر الشيطان ، وحصنه لا إله إلا الله ، إذ قال عز وجل فيما أخبر عنه نبينا صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا إله إلَّا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي » والمتحصن به من لا معبود له سوى الله سبحانه ، فأما من اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله عز وجل واعلم أن من مكايده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ ، فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس ، فان حركة اللسان غير مقصودة بل المقصود معانيها فأما القراءة فالناس فيها ثلاثة : رجل يتحرك لسانه وقلبه غافل ، ورجل يتحرك لسانه وقلبه يتبع اللسان فيفهم ويسمع منه كأنه يسمعه من غيره ، وهي درجات أصحاب اليمين ، ورجل يسبق قلبه إلى المعاني أولا ثم يخدم اللسان القلب فيترجمه ، ففرق بين أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب ، والمقربون لسانهم ترجمان يتبع القلب ولا يتبعه القلب وتفصيل ترجمة المعاني أنك إذا قلت : بسم الله الرحمن الرحيم فانو به التبرك لابتداء القراءة لكلام الله سبحانه . وافهم أن معناها أن الأمور كلها با لله سبحانه ، وأن المراد بالاسم هاهنا هو المسمى . وإذا كانت الأمور با لله سبحانه فلا جرم كان الحمد لله . ومعناه أن الشكر لله إذ النعم من الله . ومن يرى من غير الله نعمة أو يقصد غير الله سبحانه بشكر لا من حيث إنه مسخر من الله عز وجل ففي تسميته وتحميده نقصان بقدر التفاته إلى غير الله تعالى . فإذا قلت : الرحمن الرحيم ، فأحضر في قلبك جميع أنواع لطفه لتتضح لك رحمته فينبعث بها رجاؤك ، ثم استثر من قلبك التعظيم والخوف بقولك : مالك يوم الدين